مَلحُ رفيقتى قصه قصيرة
مَلحُ رفيقتي
الحارة مصفوفة بالرجال على جانبي الطريق، يجلسون متراصين القرفصاء كلهم بلا استثناء يستندون إلى عصيهم الغليظة تبدو هيئتهم كسلسلة جبال متلاصقة كئيبة، حين لاحت لهم رؤيتنا وقفوا تباعاً وكأن الغيم قد غطى الشارع من تلاحمهم، قاطبي الجبهة، تعلوا وجوههم حدة وغلظة ظاهرة في عيونهم، زادت هذه الحدة عندما سرنا في وَسَط الشارع فتعلقت أنظارهم بنا، يقفون تباعاً ويترصدون بعيون لا تحيد عنا، ارتاب أحمد في الأمر اقترب مني وأمسك بذراعي
:- هو فيه إيه يابا الشيخ؟
:- الله أعلم يا احمد يا ابني؟ الأمر ليس طبيعي!
:- هل أنت متيقِّن أنهم طلبوك تحضر هنا؟ لا يبدو الحال طيباً يا عمى، هل توجد مناسبة ! لا يبدو فرح ولا مأتم! إيه الحكاية؟ ,,,,,,لا هو فرح ولا هو حزن! إيه الحكاية يا عمى؟
لم أنطق بكلمة كانت الأفكار تتلاعب بعقلي حول ما أراه، لقد اتصل بي أحد أتباع شيخ الطريقة يطلبون حضوري على وجه السرعة وحين تساءلت عن سبب هذا الاستدعاء العاجل أخبرني محدثي أنه للتشاور في أمر مهم يخص أبناء الطريقة الصوفية والعهد الساري بينهم، كنت أمنى نفسي بقيلولة طويلة فيكفيني سهر ليلتي قد جفا مرقدي واكتحلت مخدتي بالسهاد وكثرة تقلبي على سريري أغالب أفكاري وأستسمح عقلي بالهدوء والرزينة والتغلب على أحزاني بالنوم وراحة جسدي ولكن كيف يكون هذا وهذا الجسد الراقد بجواري يتنغم بطبقات عليا ودنيا من الشخير المتواصل دون انقطاع، حليلتي لعقود على نفس حالتها ومرقدها بجواري تصمت دقيقة أو اثنتين ثم تعاود شخيرها، صراحة لا أدرى مصدر الشخير هل هو من جوفها وصدرها أم من حنجرتها فهو طبقات من الصفير حين تضم شفتيها وما بين آلات النفخ الأخرى حين يصدر من قصبتها الهوائية ولكن تزداد الأمور صعوبة حين تسمع صوت الطبول وذلك حين تطبق شفتيها فتندفع كتلة الهواء متدفقة على مراحل فتصدر صوت الطبلة،
قالت لى رفيقة دربي الطويل لأكثر من مرة أنك تصدر أصوات عالية في أثناء شخيرك يقلق أي لص ويمنعه من الاقتراب من المنزل، هل شخيري مثل شخيرها هكذا بكل هذه القوة بالطبع لا ولكن لما لا فأنا متخم مثلها وكل من يرانا يقول إننا وكأننا تؤام، ولكن لماذا هي تنام وتنقلب في غيبوبة النوم في ثواني معدودة وأنا أأخذ وقتا طويلا هل للمنبهات التي أتناولها من قهوة والأفيون ولكنى معتاد على مثل هذه الأمور كل يوم تقريبا ولكن هناك أيام تمتنع عنى، وتمتنع عن قضاء قليل من الوقت نقضى فيها فطرتنا، فنريح أجسادنا فننام في ثواني معدودة، وكانت معظم ليالي عمرنا نقضيها على هذا الحال ولكنها منذ بضع سنين وقد أخذت ليالينا لمنحى آخر تارَة دون كلام ما أن التفت اليها إلاّ أجدها قد غطت في نومها وتارة تبدأ ليلتها كالعادة بالشكوى المستمرة من آلام جسدها المبرحة من أعمال المنزل تبدأها بجملة
:- طوال النهار صالبه قامتي ما بين المطبخ أطبخ لكم وبين السطوح اطعم الطيور والغسيل والخبز والم النشران لم يترك موضعا؟
حين تبدأ هذه المقدمة تكون هي نهاية أي حوار فأبلع لساني وأطبق عليه بقضبان فكي العلوي والسفلى ويلتصق لساني بهما، ولا أنام ليلتي تلك؟ وما أكثر هذه الأيام
حين صدر الأمر، من شيخ الطريقة، بالحضور على وجه السرعة، عجلت في الاستجابة، وسارعت لمحطة الاتوبيس وجدت مصادفة (أحمد) رفيقاً لدربي نتسلى بقية يومنا وعادة ما أتوسم فيه خير الصديق مع فارق السن الكبير بيننا، ويبدو الأمر ليس طبيعيا فدخلنا منزل شيخ الطريقة وهو فسيح لدرجة أن تسع ساحته كل هذه الرجال، لم تتغير هيئتهم عن رجال الشارع،
:- قيل في حقنا كلام ! هذا الكلام يجب أن تهدر فيه دماء وتقطع به رقاب!
:- يا ساتر يا رب
:- قيل أنى أجمع الأموال وأكلها في بطني وأنى أزنى بنساء الطريقة في خلوتي ولم تفلت من تحت يدى امرأة!
:- أعوذ بالله من هذا قول!,,
:- ما حكمك يا شيخ سيد أحمد على من ادعى ذلك على شيخك؟
احتار لساني وكأنه ملتصق بسقف حلقى منذ ليلة الأمس فلم يسعفني عقلي بكلمات أنطق بها، عجزت وعجز لساني وعجزت الحيلة، لم أجد منى سوى أن أرفع كتفي واحرك سأعدى للأمام وأنزل بهما، لم أستطع أن أفتح فمي حتى ليدخل منه بعض الهواء ليجفف لساني ويوقظه من ميتته، أظهرت للجميع عدم قدرتي على الحكم، فلم أعتد مثل هذه المواقف، هل يريد منى أن ألقى بحكم لمجرد كلمات تناقلت، كيف لشيخي أن يضعني في هذا الموقف، هذا الشيخ عدّ دائما من ذوى الألباب النيرة ونعده من أكمل الرجال رصانة وهو أكيس من أن يرعف أنفه غضباً، فإذا كان يريد معاقبتي فليعاقبني على خلوة منا، لماذا يجمع كل هؤلاء الجمع من الرجال، ولماذا يحضرني أنا هل وصلته تلك الكلمات التافهة وهو الشيخ الكتوم فينتفخ لها غضبا أم وجب عليه كعهدنا به أن يلقى بالبذاءة خلف ظهرة ولا يذيقنا وبال امرنا السيئ ويفضح ألسنتنا فيستصغرنا صبياننا، منك لله يا رفيقة دربي لو رفقتي بجسدي ونفسي وراعيتي في حاجتي ما كنت ترديت في مهواة غروري بجسدي ولاح لى عاقبة صنعي فلا جريت وراء رغبات طائشة ولا أبديت ساعتي ندم ولا فرطت في هيبتي و وقاري
:- انطق يا شيخ سيد احمد؟
:- لا أعلم ما الحكم يا شيخنا لأن من يقول عنك أنت مثل هذا الكلام فأكيد أنه مخبول في عقله أو،
:- أو ماذا؟ قل،، ، ، ننتظر كلماتك!
:- أو حاقد يريد زرع فتنة حولك! لعله يزعزع مكانتك وحب الناس لك أو يريد اعتلاء مكانتك !
:- نعم هو هذا!
:- إذا يا شيخنا أنت تعلمه؟
:- بالتحديد لا ولكن أعلم شيخه؟
:- من هو؟
:- أنت يا سيد احمد
:- أأأأأأأأأأ ،أنا أنا أعمل أأأأأ و أقول هذا يا شيخنا؟
:- ما وصلني من هذا الكلام أنه أتى من فرعكم وأنت المسئول
ساعتان وأنا أحاول أن أنفى التهمه عنى وعن أي من رجالي تحول بعدها دفاعي عن عدم علمي بهذا الشخص وبقى يقين واحد أننا لن نخرج من هذه الأجواء بشكل طبيعي، فكلما مر الوقت لم تفتر عزيمتهم ولم يهدأ غضبهم فكل الموجودين ينتظرون إشارة من الشيخ لينقضوا علينا خاصة وأنه أقسم يمين طلاق أننا لن نخرج من هنا منتصبين القامة إلا إذا تكلمنا وقلنا الحقيقة ،
:- أريد استحضار النبي محمد جلستنا!
لم يتكلم لمدة الساعتين ولكنه نطق مرة واحدة فألجم الجو سكون وصمت مطبق كيف لهم أن يستحضروا النبي محمد لمجلسهم هذا، نظر إليه الشيخ بعد صمت، نظرة المتأمل وقال لأحمد
:- طلباتك؟
:- الأمان !
:- لك الأمان
:- لا تكفيني كلمتك تلك ولهذا طلبت حضور سيدنا النبي مجلسنا !
:- كيف؟
:- لا أعرف كيف ستحضره ولعلك إذا أقسمت أنه حضر مجلسنا هذا فلعل قلبى يطمئن وهنا سأتكلم!
نظر الشيخ إلى أحد الشباب فاقترب منه وهمس في أذنه وما هي إلا ثواني معدودة وأحضر الشاب في راحة يديه مشنة العيش الفلاحي ومعها طبق من الملح ووضعه أمام الشيخ الذي أخرج رغيف من الخبز وقطع قطعه غمسها في الملح ثم تناولها وأشار للشاب فأخذ يمرر العيش والملح على الحضور كل منهم يقضم قضمته حتى أنا وكذلك أحمد الذى لم أفهم طلبه ولا ماذا سيقول وحين انتهى الجميع من تناول ملحهم نظروا إلى أحمدا لذى ابتلع ريقة واعتدل على ركبتيه وحمد الله وصلى على رسوله وقال
:-أنا الذي خضت في سيرتك لعلى أنال من سمعتك وبذلك أرى عمى السيد أحمد هو شيخ الطريقة وتنتقل السيادة والمشيخة عندنا،
ساد الصمت أكثر حتى ضرب الشيخ بمقدمة عصاة بالأرض وقد تغيرت أرنبة أنفه وبدأت لون شفتاه تتغير كذلك للون الأسود وكذلك تحولت شحمة الأذن فيما يبدو أن ضغط الرجل ارتفع فوق المستوى همس في أذن الشاب بكلمات قلت في نفسي لعله دواء الضغط المرتفع ولكنه طلب من نفس الشاب أن يحضر له العشاء
أحضر صينية طعام تخصه فقط أخذ يتناول عشاءه لم يستمر الأمر كثيرا تناول قضمتي من الخبز والغموس فلم يتناول ما يستحق أن يطلق عليه طعام أزاح صينية الطعام بيده ثم نظر إلى وقال
:- ابنك أنقذك أنا أعلم أنه كذب لينجيك وينجى نفسه حين ألقيت يمين الطلاق ولك أن تفرح به
أومأ بعينه لصينية الطعام فتحركت مسرعا أخذت قطعه خبز وغمستها من حيث تناول شيخنا طعامه من نفس موضع ومكان لقمته وكأني على دربه أسير لم أتناول سوى لقمة واحدة وهكذا قام أحمد وفعل وتوالى الجمع يتناولون لقمتهم من نفس الموضع الذي تناول الشيخ طعامه،
أأدعو عليها وهى رفيقة الدرب الطويل منذ كنا وحدنا في المنزل حتى امتلأ علينا بأولادنا وأحفادنا فشغلوا حياتها عنى وابتعدت بإلآمها فتحولت عنها صرت أتلصص على هذه وأمنى نفسي بتلك لم تمنعني عين جائعة من التلصص على امتلاء صدورهن أو احمرار خدودهن وبرغم ما بهن جميعا من ترهلات وتكتل وتشحم أجسادهن جميعا ولكن ما الحيلة فالعين لا شبع فيها ولا حياء في القلب، حتى وقعت في إناء كل واحدة منهن أغوص فيها،
مر أيام وقد هيأت الحضرة عندي وخصصت لها مكان بالدور الأرضي كله ليتسع للبعيد والقريب وبالفعل لقد حضر معظم أهل الطريقة من كل بلد، ناديت على أحمد أن يحضر مشنة العيش وطبق الملح لم أغمس اللقمة كلها ولكن بطرفها مضغتها ومرت من بعدى على الجميع ، ثم أحضر لى طبق كبير من الأرز والعيش المغرق بمرق اللحم ووضعها أمامي أمسكت بالملعقة وتناولت واحدة وأنا أتحدث في قرارة نفسي وأنظر للجميع
- تقولت على شيخك بما يعيبه ويعيبك ونضخت عنه بما ليس فيه وحين غضب لنفسه مات، فكم من هؤلاء القوم مثلك يا سيد احمد سيسرع ويتناول نفس ملعقتك ويأكل من نفس موضعك ويلوك في عرضك!
18 يوليو 2022
تعليقات
إرسال تعليق